تناولت الصحفية جينيفر هوليس في هذا التحليل، المنشور على موقع دويتشه فيله، دوافع التقارب المتسارع بين مصر والصومال، في لحظة إقليمية تتشابك فيها اعتبارات الأمن، والجغرافيا السياسية، وصراعات النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
تشير دويتشه فيله تضع هذا التقارب في سياق تأكيد رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي لنظيره الصومالي حسن شيخ محمود، خلال لقائهما في القاهرة، دعم مصر الكامل لوحدة الصومال وسلامة أراضيه. سرعان ما ترجمت القاهرة هذا الموقف إلى خطوة عملية، عبر نشر قوة عسكرية مصرية في العاصمة مقديشو، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الثنائية.
تحوّل عسكري ودلالات إقليمية
يمثل نشر القوات المصرية في الصومال تحوّلًا لافتًا في السياسة المصرية، إذ اقتصر الدور السابق على تقديم معدات عسكرية ودعم لوجستي في إطار اتفاق أمني مشترك. تنخرط القوة المصرية ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، التي تضطلع بمهمة تدريب الجيش والشرطة الصوماليين ومساندتهما في مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها نشاط حركة «الشباب» المسلحة.
يرى محللون، نقلت عنهم دويتشه فيله، أن هذا التحرك يعكس سباقًا جيوسياسيًا متصاعدًا على النفوذ في القرن الأفريقي. تسعى القاهرة إلى منع تحوّل الدول الهشة في هذه المنطقة إلى ساحات مفتوحة لقوى خارجية، خصوصًا على امتداد البحر الأحمر، الذي يمثل شريانًا حيويًا للأمن القومي المصري والملاحة الدولية.
القرن الأفريقي وساحل البحر الأحمر
تكتسب الصومال أهمية استراتيجية خاصة بحكم موقعها الجغرافي، إذ تطل على المحيط الهندي وتتحكم في مدخل خليج عدن المؤدي إلى البحر الأحمر وقناة السويس. تشارك الصومال حدودًا طويلة مع إثيوبيا، وتقع قبالة اليمن، ما يجعلها نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية متعددة.
توضح دويتشه فيله أن مصر تنظر بقلق إلى أي محاولات لإعادة رسم موازين القوى على سواحل البحر الأحمر، خاصة في ظل طموحات إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، ومساعي قوى أخرى لتعزيز وجودها العسكري أو السياسي في المنطقة. في هذا السياق، يبدو الوجود المصري في الصومال رسالة واضحة بأن القاهرة لن تترك فراغًا استراتيجيًا على أحد أهم ممراتها الحيوية.
التوتر مع إثيوبيا وإسرائيل
يتعمق هذا القلق المصري في ظل التوتر المستمر مع إثيوبيا، لا سيما بعد توقيع مذكرة تفاهم بين أديس أبابا وإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، تتيح لإثيوبيا منفذًا إلى البحر الأحمر مقابل خطوات نحو الاعتراف بالإقليم. أثارت هذه الخطوة رفضًا إقليميًا واسعًا، واعتبرتها القاهرة تهديدًا مباشرًا لأمن البحر الأحمر ولمبدأ وحدة الأراضي الصومالية.
تضيف دويتشه فيله أن اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» زاد من تعقيد المشهد، وألقى بظلاله على العلاقات المصرية الإسرائيلية، المتأثرة أصلًا بالحرب في غزة. ترى القاهرة في هذا التطور توسيعًا لنفوذ إسرائيلي غير مرغوب فيه في القرن الأفريقي، خصوصًا في منطقة قريبة من خطوط الملاحة الدولية ومسرح توتر محتمل مع جماعة الحوثي في اليمن.
أمن المياه وملف سد النهضة
لا ينفصل الحضور المصري في الصومال عن هاجس أمن المياه. تعتمد مصر بشكل شبه كامل على نهر النيل، وتبدي تحفظات عميقة على سد النهضة الإثيوبي الذي دخل مرحلة التشغيل. رغم أن الصومال لا يقع ضمن دول حوض النيل، فإن الخلاف المصري الإثيوبي الطويل أسهم في تقارب سياسي بين القاهرة ومقديشو، يقوم على تشكيل توازن إقليمي يحد من النفوذ الإثيوبي.
تنقل دويتشه فيله عن خبراء أن القاهرة تعتبر ملف المياه مسألة أمن قومي، وتسعى إلى بناء شبكة علاقات إقليمية داعمة لموقفها، سواء في القرن الأفريقي أو في محيط البحر الأحمر.
المصالح الصومالية: أولوية الداخل
في المقابل، توضح دويتشه فيله أن الصومال ينظر إلى هذا التقارب من زاوية مختلفة. تركز مقديشو على تعزيز سيطرتها على كامل أراضيها، وانتزاع اعتراف دولي أوسع بالحكومة الفيدرالية باعتبارها السلطة الشرعية الوحيدة. يوفّر وجود قوات مصرية ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي دعمًا سياسيًا ومعنويًا، ويعزز شرعية الحكومة الصومالية في مواجهة الجماعات المسلحة والانقسامات الداخلية.
يؤكد محللون أن الصومال، رغم تقاطعه مع مصر في ملفات البحر الأحمر وإثيوبيا، يعطي الأولوية القصوى لمعركته الداخلية ضد «الشباب»، ويرى في الدعم المصري رافعة إضافية لحشد التأييد الدولي.
تخلص دويتشه فيله إلى أن تعميق العلاقات المصرية الصومالية يعكس تلاقي مصالح متبادلة، حيث تسعى القاهرة إلى حماية أمنها الاستراتيجي في البحر الأحمر وحوض النيل، بينما يبحث الصومال عن دعم دولي يرسخ استقراره الداخلي. هذا التقارب، في سياق إقليمي مضطرب، يشير إلى أن القرن الأفريقي بات ساحة مركزية لإعادة ترتيب التحالفات وتوازنات القوة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
https://www.dw.com/en/why-is-egypt-bolstering-ties-with-somalia-now/a-75958140

